فخر الدين الرازي

25

تفسير الرازي

القيامة قال بعده : * ( ذلك اليوم الحق ) * ذلك إشارة إلى تقدم ذكره ، وفي وصف اليوم بأنه حق وجوه أحدها : أنه يحصل فيه كل الحق ، ويندمغ كل باطل ، فلما كان كاملاً في هذا المعنى قيل : إنه حق ، كما يقال : فلان خير كله إذا وصف بأن فيه خيراً كثيراً ، وقوله : * ( ذلك اليوم الحق ) * يفيد أنه هو اليوم الحق وما عداه باطل ، لأن أيام الدنيا باطلها أكثر من حقها وثانيها : أن الحق هو الثابت الكائن ، وبهذا المعنى يقال إن الله حق ، أي هو ثابت لا يجوز عليه الفناء ويوم القيامة كذلك فيكون حقاً وثالثها : أن ذلك اليوم هو اليوم الذي يستحق أن يقال له يوم ، لأن فيه تبلى السرائر وتنكشف الضمائر ، وأما أيام الدنيا فأحوال الخلف فيها مكتومة ، والأحوال فيها غير معلومة . قوله تعالى : * ( فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً ) * أي مرجعاً ، والمعتزلة احتجوا به على الاختيار والمشيئة ، وأصحابنا رووا عن ابن عباس أنه قال : المراد فمن شاء الله به خيراً هداه حتى يتخذ إلى ربه مآباً . * ( إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِى كُنتُ تُرَاباً ) * . ثم إنه تعالى زاد في تخويف الكفار فقال : * ( إنا أنذرناكم عذاباً قريباً ) * يعني العذاب في الآخرة ، وكل ما هو آت قريب ، و ( هو ) كقوله تعالى : * ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) * ( النازعات : 46 ) وإنما سماه إنذاراً ، لأنه تعالى بهذا الوصف قد خوف منه نهاية التخويف وهو معنى الإنذار . ثم قال تعالى : * ( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما في قوله : * ( ما قدمت يداه ) * فيه وجهان الأول : أنها استفهامية منصوبة بقدمت ، أي ينظر أي شيء قدمت يداه الثاني : أن تكون بمعنى الذي وتكون منصوبة ينتظر ، والتقدير : ينظر إلى الذي قدمت يداه ، إلا أن على هذا التقدير حصل فيه حذفان أحدهما : أنه لم يقل : قدمته ، بل قال : * ( قدمت ) * فحذف الضمير الراجع الثاني : أنه لم يقل : ينظر إلى ما قدمت ، بل قال : ينظر ما قدمت ، يقام نظرته بمعنى نظرت إليه . المسألة الثانية : في الآية ثلاثة أقوال : الأول : وهو الأظهر أن المرء عام في كل أحد ، لأن المكلف إن كان قدم عمل المتقين ، فليس له إلا الثواب العظيم ، وإن كان قدم عمل الكافرين ، فليس له إلا العقاب الذي وصفه الله تعالى ، فلا رجاء لمن ورد القيامة من المكلفين في أمر سوى هذين ، فهذا هو المراد بقوله : * ( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ) * فطوبى له إن قدم عمل الأبرار ، وويل له إن قدم عمل الفجار والقول الثاني : وهو قول عطاء : أن المر ههنا هو الكافر ، لأن المؤمن كما ينظر إلى ما قدمت يداه ، فكذلك ينظر إلى عفو الله ورحمته